الشيخ الصدوق

516

من لا يحضره الفقيه

ما بحضرتكم ( 1 ) ولا تطلبوا منها أكثر من القليل ، ولا تسألوا منها فوق الكفاف ، وارضوا منها باليسير ، ولا تمدن أعينكم منها إلى ما متع المترفون به ( 2 ) واستهينوا بها ، ولا توطنوها ، وأضروا بأنفسكم فيها ( 3 ) وإياكم والتنعم والتهلى والفاكهات ( 4 ) فإن في ذلك غفلة واغترار ، ألا إن الدنيا قد تنكرت وأدبرت واحلولت ( 5 ) وآذنت بوداع ، ألا وإن الآخرة قد رحلت فأقبلت وأشرفت وآذنت باطلاع ( 6 ) ألا وإن المضمار اليوم والسباق غدا ، ألا وإن السبقة الجنة والغاية النار ( 7 ) ألا فلا تائب

--> ( 1 ) أي بالأعمال الصالحة أي كونوا بحيث إذا ارتحلتم يكون معكم أحسن الأعمال ، وقوله عليه السلام " يرحمكم الله " جملة دعائية معترضة . ( 2 ) المترف - بفتح الراء - المتنعم الموسع في ملاذ الدنيا وشهواتها . ( الوافي ) ( 3 ) في الصحاح : أضر بي فلان أي دنا منى دنوا شديدا فمعنى " أضروا بأنفسكم " ادنوا منها دنوا شديدا والتفتوا إليها التفاتا عظيما لئلا يصدر عنها ما كان فيه هلاككم . ( مراد ) ( 4 ) الفكاهة - بالضم - : المزاح . ( 5 ) احلولت افعيعال من الحلول أي انقضت ، والايذان الاعلام والمراد سرعة تصرف الدنيا وتطرق النقص والفناء إلى متاعها . والوداع بالكسر أو بفتح الواو اسم من التوديع . ( 6 ) في الصحاح : رحلت البعير أرحله رحلا إذا شددت على ظهره الرحل ، وفيه رحل فلان وارتحل وترحل بمعنى ، والاسم الرحيل . ورحيل الآخرة استعارة من رحل الركب الذين يصلون عن قريب ( مراد ) والاطلاع الاشراف من مكان عال ، والمقبل إلى الانحدار أحرى بالوصول . ( 7 ) المضمار : مدة تضمير الفرس وموضعه أيضا وهو أن تعلفه حتى يسمن ثم ترده إلى القوت وذلك في أربعين يوما ، والسباق : المسابقة جمعا للسبقة بالضم أي الذي يسبق إليه كما توهم . والسبقة - بضم السين وسكون الموحدة - الخطر أي المال يوضع بين أهل السباق . وقوله " والغاية النار " أي منتهى سعى العصاة إليها . وقال السيد الرضى - رحمه الله - في قوله عليه السلام " ان السبقة الجنة والغاية النار " : خالف بين اللفظين لاختلاف المعنيين ، ولم يقل : السبقة النار كما قال " السبقة الجنة " لان الاستباق إنما يكون إلى أمر محبوب وغرض مطلوب وهذه صفة الجنة وليس هذا المعنى موجودا في النار - نعوذ بالله منها - فلم يجز أن يقول والسبقة النار بل قال : والغاية النار ، لان الغاية ينتهى إليها من لا يسره الانتهاء ، ومن يسره ذلك فصلح أن يعبر بها عن الامرين معا فهي في هذا الموضع كالمصير والمال قال الله تعالى : " قل تمتعوا فان مصيركم إلى النار "